في عالم العمل الحديث، لم يعد الإرهاق المهني يقتصر على الشعور بالتعب أو الرغبة في الحصول على إجازة قصيرة، بل أصبح تحدياً يؤثر بشكل مباشر على جودة التفكير واتخاذ القرار.
فمع تكدس الاجتماعات، وتدفق الرسائل الإلكترونية، وتسارع وتيرة المهام اليومية، يجد كثير من المديرين والقادة أنفسهم يعملون بكفاءة ظاهرة، بينما تتراجع قدرتهم تدريجياً على الابتكار والتخطيط بعيد المدى.
وبحسب تقرير نشرته مجلة Entrepreneur، فإن هذه الحالة تُعرف بـ"الإرهاق القيادي"، وهي مرحلة يبدأ فيها العقل بالعمل في نطاق أضيق، فيميل الشخص إلى اختيار الحلول الآمنة، وتأجيل القرارات المعقدة، والاعتماد على الأنماط المعتادة بدلًا من البحث عن أفكار جديدة.
تشير دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2025 حول بيئة العمل إلى أن أكثر من ثلث المديرين والقادة أفادوا بزيادة ملحوظة في حجم التوقعات والمسؤوليات خلال العام الأخير، ورغم استمرارهم في أداء مهامهم، فإن الضغط المتواصل يترك أثراً خفياً يتمثل في تراجع المرونة الذهنية والقدرة على التفكير الاستراتيجي.
ويرى الخبراء أن المشكلة لا تكمن في الإرهاق ذاته، بل في عدم الانتباه إلى علاماته المبكرة فعندما يتحول الضغط إلى حالة دائمة، يبدأ العقل في التركيز على النجاة من المهام اليومية بدلاً من تطوير الأفكار أو استكشاف الفرص الجديدة.
لماذا تضيق دائرة التفكير تحت الضغط؟
عندما يتعرض الإنسان لضغط مستمر، يدخل الدماغ في ما يشبه "وضع البقاء"، حيث يتم توجيه الطاقة الذهنية نحو التعامل مع التحديات الفورية فقط، وفي هذه الحالة يصبح اتخاذ القرارات أسرع، لكنه غالباً أقل إبداعاً وأكثر ميلاً إلى الحلول التقليدية.
ويصف دنكان واردل، مؤسس شركتي iD8 وInnov8 والرئيس السابق للابتكار والإبداع في شركة The Walt Disney Company، هذه الحالة بأنها البقاء داخل "نهر التفكير المعتاد"، حيث يعتمد الفرد على الأساليب نفسها دون محاولة الخروج إلى مساحات جديدة من الأفكار.
وقت التفكير ليس رفاهية
من أبرز النصائح التي يقدمها الخبراء لمواجهة الإرهاق القيادي تخصيص وقت منتظم للتفكير بعيداً عن ضوضاء المهام اليومية فبدلًا من اعتبار التأمل أو مراجعة الأفكار نشاطاً ثانوياً، ينصح بالتعامل معه كجزء أساسي من الأداء المهني.
ويكفي تخصيص نصف ساعة أسبوعياً لطرح أسئلة بسيطة مثل: ما القرارات التي أؤجلها؟، وما المشكلات التي أعالجها بالعادة بدلاً من التفكير الجديد؟ وما الخطوة التي كنت سأتخذها لو لم أخش الفشل؟
استعادة الاتساع الذهني
ويرى المختصون أن استعادة القدرة على التفكير لا تتطلب حلولاً معقدة بقدر ما تحتاج إلى منح العقل مساحة للتنفس فالانتقال إلى مكان مختلف، أو أخذ استراحة قصيرة بعيداً عن الشاشات، أو تخصيص وقت للتفكير الهادئ، كلها خطوات تساعد على إعادة التوازن الذهني.
وفي النهاية، لا يعني الإرهاق القيادي أن القائد فقد كفاءته أو قدرته على الإنجاز، بل قد يكون مجرد إشارة إلى أن عقله يحتاج إلى مساحة أوسع للرؤية، فالقادة الأكثر تأثيراً ليسوا بالضرورة من يعملون لساعات أطول، بل من يعرفون متى يتوقفون قليلاً ليعيدوا ترتيب أفكارهم قبل اتخاذ الخطوة التالية.
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات