• ٢ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ | ١٤ شوال ١٤٤٧ هـ
البلاغ

الأعذار الشرعيّة واللاشرعيّة

أسرة البلاغ

الأعذار الشرعيّة واللاشرعيّة

ما بين عذرٍ شرعيّ مقبول ومنصوص عليه، وبين عذرٍ مُختَلق لا أصل شرعيّاً له، مسافةُ الصدق أو الكذب، وكما أكّدنا فإنّ الإنسان البصير على نفسه هو أول شاهدٍ وحاكم على نفسه، يعلم أنّه (كاذب) إذا كذب وافترى، ويعلم أنّه صادق غذا صدق النيّة وأخلص العمل.

وهو مهما تلاعب بالألفاظ، واحتال على حقيقة المواقف، وأظهر ضدَّ ما يُبطن، ونجح في بعض الحالات في تمرير أكاذيبه وألاعيبه، إلّا أنّه أدرى من غيره بما في دخيلة سرّه، وما ينطوي عليه ضميره، وما يخفيه في نفسه.

في الأعذار الشرعيّة لا تكفي الكلمة المُقنعة في صياغتها وبلاغتها، بل لابدّ من التقاء المشاعر الصادقة مع العذر، والقناعة الداخلية مع الرقابة الإلهية، والحكم المنصوص عليه وموضوعُه الذي ينطبقُ عليه. وقد يُفتي المفتي لأثنين يأتيانه في مسألة، فيجيزُ للأول ويمنع الثاني، بناءً على ما يقدّمه كلٌّ منهما من مبررات شرعيّة، وهو يأخذ مظاهر الأقوال لا بما تنطوي عليه سرائرُ النفوس، ويبقى الله تعالى هو عالم السرّ وأخفى، أي هما أثنان يعلمان حقيقة الموقفك الإنسان صاحب العذر نفسه، والله عزّوجلّ الذي يعلم ماتوسوس به نفسه. يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (غافر/ 52).

الكاذب يعلم أنّه كاذب والله يعلمُ أنّه كاذب، والصادق يعلمُ أنّه صادق والله يصدّقه.

روي عن النبيّ (ص): «شرّ المعذرة حين يحضر الموت»[1]، أي لا عذرَ مقبولاً حين يعاني الإنسانُ الموتَ، ولا توبة مهما كانت صادقة، إذ لو صدقت حقاً، وكان العذرُ المتقَّدم صحيحاً، لكان الإنسانُ تفادى أخطاءه وتقصيراته وذنوبه من قبل أن يحضره الموت، أمّا إذا (عاين) راى الموتَ بعينه فلا توبة، ولا اعتذار.

وحين كتب الإمام عليّ (ع) إلى صاحبه (الحارث الهمداني) يقول له: «واحذر كلَّ عملٍ إذا سُئل عنه صاحبه أنكره، أو اعتذر منه»[2]، فإنّه كان يحذّر مما يُعتذَر منه من المعايب والأخطاء والذنوب، وما يسبب الملامة ويجرّ إلى الندامة، لأنّ الإنسان في هذه الحالة يكون إمّا في موقف المُنكِر لعملٍ قام به، وبذلك يكذب مع غيره، ويشوّه الحقيقة ويكتم الحقّ، وإمّا أن يبيّن السبب غير الحقيقي الذي دعاه إلى ارتكاب فعلته، وهو في كلا الحالين مُدان، لأنّه لم يصرّح بالحقيقة.

إنّ (الإنكار) في البداية و(الإعتذار) في النهاية، من أسوأ المواقف التي يمرّ بها الإنسان، لأنّه لا يقدّمه اعتذاره إلّا في وقتيُكتّشّف أو يُفتّضح فيه، وعندها تتهادى صورته ويبدو في نظر الذين رأوه مُنكِراً، ثم معتذراً ذليلاً مهاناً.. وقد تكون تلك بداية اهتزازا الثقة به مستقبلاً، ولذلك فإنّ اعتذار (زليخا) امرأة العزيز الذي جاء متأخراً جداً، وإن عبّر في بعض تعبيراته عن شجاعة المرأة في الاعتراف بخطأها، إلّا أنّه جاءَ في أجواء المحاكمة والقضاء، وبعد أن اتهمت يوسف بارتكاب الفاحشة، بل حمّلته ضريبة جريمة له أو خيانة لم يقترفها بزجّه في السجن بضعَ سنين، وقد لا يكون موقف زليخا أمام الملك الذي سألها عن حقيقة ما جرى معيباً أو مُهيناً، لكنّ لنا أن نتصور حراجة موقفها أمام زوجها الذي اتهمت يوسف في حضلاته بما لم يقترفه، وأمام يوسف الذي دافع عن نفسه وعن صدقه وعن عفّته، لكنها أرغمته على حرمانه من حريته زمناً طويلاً.

وعلى ذلك - فإنّ ما لايُقبل فيه الاعتذار هو المخالفة الصريحة للأحكام الشرعيّة، مهما بدت تلك الاعتذارات في الخارج كبيرة ومُقنعة، يقول عزّوجلّ في تخلّف المنافقين عن ركب الجهاد: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة/ 94)، أي إنّ كل الاعذار غير الشرعيّة ستُفتضح إمّا في الدُّنيا أو في الآخرة.

ويقول تبارك وتعالى في المتهّربين من الجهاد، والباحثين عن أعذار واهية مختلفة: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة/90). 

ولسنا بحاجة إلى الذهاب إلى المحكمة الشرعيّة أو إلى الفقيه أو الحاكم بالشرع لنسأله عن بعض الأعمال هل هي شرعيّة أم لا، لأنّ الإنسان البصير على نفسه لا يجهل دائماً موقف الشرع من تصرّفاته، ولكنّه قد يلجأ إليه في إحدى محاولتين: عسى أن يجد منفذاً شرعيّاً يحتال به.

 1- بحار الأنوار/ 77/ 133.

2- نهج البلاغة/ الكتاب/ 69.

 

المصدر: كتاب على نفسه بصيرة

تعليقات

ارسال التعليق

Top