• ١٩ حزيران/يونيو ٢٠٢٦ | ٣ محرم ١٤٤٨ هـ
البلاغ

بناء الوعي الإيجابي بقيمة الحياة الزوجية

د.عادل هندي

بناء الوعي الإيجابي بقيمة الحياة الزوجية

في ظلّ حديث بعض مفكري الغرب عن «خرافة الأسرة»، فإنه يمكن القول: إنّ من أعظم نِعَم الله على الإنسان المسلم نعمة الأسرة، وقد جعلها الله تعالى آية من آياته الكبرى في هذه الحياة، فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21).

وبناء على مدلول الآية الفريدة السابقة، فإنَّ الأصل في العلاقة الزوجية أنها سكن وطمأنينة ومودة ورحمة، لا صراعٌ ولا تنازع، ولا سوء فهمٍ دائم، ولا جفوة مستمرة.

إننا حين نتحدث عن صناعة الحياة الزوجية الرشيدة، فنحن نتحدَّث عن عملية هندسية، إيمانية دقيقة، تبدأ من الوعي وتنتهي بالرشاد والنجاح.

وإن السعادة في حياة الأزواج والأبناء والبنات ليست في فخامة البناء، بل في هندسة الأرواح وحسن اللقاء؛ فالحياة الزوجية والأسرية ميثاقٌ غليظ كما عبّر القرآن الكريم لا يصمد أفرادها أمام عواصف الأيام إلا بالوعي الراشد والفهم العميق.

إنّها رحلةٌ تبدأ بكلمة، وتستمر بفنّ، وتزدهر بمهارة الطرفين؛ لتتحول من مجرد وثيقة عقد يربط شرعاً وقانوناً بين الأجساد، إلى عُمر طويل مبدع يجمع بين القلوب على ضفاف المودة والسكينة، فهل نحن مستعدّون لإتقان فنّ التواصل والاتصال بين الأزواج والزوجات! لنشيد بيوتاً لا يطرق الوهن أبوابها؟

أولاً: فلسفة الوجود الأسري وضرورة الوعي:

تأتي أهمية الوعي في الحياة الزوجية من حقيقة أن كثيرًا من المشكلات الأسرية لا تنشأ من غياب الحب؛ وإنما من غياب الفهم، وسوء التواصل، وضعف إدراك طبيعة الطرف الآخر؛ فالزوجان ليسا مجرد شخصين اجتمعا في بيت واحد؛ بل هما شريكان في بناء مؤسّسة كبرى هي الأسرة، التي تُعدّ النواة الأولى للمجتمع، والبيئة الأولى لتربية الأجيال.

إنَّ المتأمّل في ملكوت الله يدرك أن الزوجية سُنة كونية مطردة، غير أن الله تعالى خصّ الإنسان بكرامة استثنائية حين جعل زواجه ميثاقًا غليظًا وشركة إيمانية لبناء الحياة، فالحياة الزوجية ليست مجرد لقاء عابر؛ بل هي «شركة مساهمة» بين قلبيْن، شهد على عقدهما ملائكةُ الرحمن، وفرحت الدُّنيا وسعدت بعلاقتهما؛ ليكون كل منهما لبنة في بناء أمة حاملة لرسالة الحق، وحالمة بمستقبل مبهج لأمّتها وأوطانها.

 

ثانياً: المعيار النبوي والخيرية الأسرية:

لقد أرشدَنَا النبي (ص) إلى معيار عظيم في هذا الباب، فقال: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»، وهذا الحديث ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو تأسيس لمنهج حياة، يربط بين الإيمان الحقيقي وحُسن التعامل داخل البيوت، فميزان الخيرية في الإسلام لا يُقاس فقط بالعبادة الظاهرة، ولا بكثرة الأعمال العامة؛ بل يبدأ من الداخل؛ من البيت، من الزوجة، من الأبناء، من أسلوب الكلام، ومن جودة العلاقة اليومية.

هذا الوعي الإيجابي يقتضي أن يُدرك الزوجان أنَّ سعادتهما ليست وصفة سحرية تُشرب، بل هي طريق يُسلك وخطوات مهارية تعتمد على المران والتطبيق، إنَّ الحب كالكائن الحي، يحتاج لغذاء مستمر من الرعاية والإرواء، وإلا ذبل مع الأيام وتحوَّل إلى مجرد اعتياد بارد، وإِلف مملّ.

 

ثالثاً: لماذا اهتمَّ الإسلام بالحياة الزوجية وتجاهلها الآخرون؟

إنَّ الإسلام لم يجعل الزواج مجرد عقدٍ قانونيّ أو علاقة اجتماعية؛ بل جعله بتعبير القرآن ميثاقًا غليظًا، يقوم على السكن والمودة والرحمة، وعلى المسؤوليّة المشتركة في بناء الإنسان. فالأسرة في التصوّر الإسلامي ليست مكانًا للمعيشة فقط؛ بل هي مدرسة أو جامعة للتربية، وميدان لصناعة القيم، ومختبر حقيقي للأخلاق، ومنطلق لبناء المجتمع الصالح، ومصنع لإنتاج جيل يحمل همّ دينه ودنياه.

وعلى النقيض تماماً، نجد أن الفكر الغربي قديماً ومعاصراً قد وقع في تيهٍ كبير بخصوص قيمة الأسرة، فبينما رآها البعض قيداً يعيق الحرية الفردية، وذهب آخرون في الفلسفات المادية المعاصرة لعدّها خرافة، أو كياناً عفى عليه الزمن لصالح الفردانية المطلقة، نجد الإسلام قد رفعَ من شأنها لتكون آية من آيات الله العظمى.

إن الإسلام اهتم بتفاصيل هذه العلاقة، ووضع لها قواعد دقيقة لم يتركها لأهواء البشـر؛ بل فصلها في الوحييْن الشـريفيْن حفظاً للنسل، وتحقيقاً للاستقرار العاطفي.

إنَّ الفارق يكمن في أن الإسلام يراها مهمة اجتماعية ورسالة ربانية، بينما رآهَا غيره مجرد عقد مدني مادّي جاف يزول بزوال المنفعة.

 

رابعاً: مهارات التواصل.. الواجب الغائب:

من هنا تبرُز أهمية مهارات التواصل؛ إذ إن التواصل هو الجسـر الذي تنتقل عبره المشاعر، والأفكار، والتوقّعات، والاحتياجات، وإذا انهار هذا الجسـر أو ضعُف، تحوّلت العلاقة إلى سوء فهم متكرر، ونزاعات مستمرة، حتى لو بقيت المشاعر في أصلها طيبة.

ولذا، فإنَّ تعلّم الزوج والزوجة لفن التواصل ليس ترفًا فكريًّا أو ثقافة كمالية؛ بل هو ضرورة شرعية وتربوية وإنسانية، ومما اشتهر في القواعد الفقهية: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».

وبما أنَّ استقرار الأسرة واجب، فإنّ تعلّم مهارات التواصل التي تضمن هذا الاستقرار يصبح واجباً متعيناً، إنَّ الزوج والزوجة في الحقيقة شريكان في شركة حياتية واحدة، هدفها بناء بيت مستقر، وتربية أبناء صالحين، وصناعة جيل نافع للأمة.

وهذه الشَّـركة لا تنجح إلا إذا توافرت فيها مهارات التواصل الفعّال، كما هي الحال في أي مؤسسة ناجحة، بل هي أولى بذلك؛ لأنها تتعامل مع أقدس العلاقات الإنسانية..

 

خامساً: الوعي بالاختلاف وإدارة العلاقة:

من أعظم ما يعين على نجاح هذه الشـركة الزوجية إدراك أن الطرف الآخر ليس نسخة كربونية من الطرف الأول، والعكس، بل هو كيان مستقل له طباعه وتكوينه النفسـي والعاطفي، وهنا تأتي الحاجة إلى الفهم قبل الحكم، وإلى الإصغاء قبل الرد، وإلى التقدير قبل النقد، فإنّ غياب هذا الوعي هو الثغرة التي تتسلل منها رياح الشقاق، وبناؤه هو الحصن الذي يمنع انفكاك الميثاق.

وإذا تأملنا السيرة النبوية وجدنا أن النبي (ص) كان أرقى نموذج عملي في التواصل الأسري؛ فقد كان يستمع، ويمازح، ويقدّر المشاعر، ويشارك زوجاته حياتهنَّ اليومية، ويعالج الخلافات بالحكمة والرفق، لا بالعنف ولا بالتجريح.

وهذا كله يؤكِّد أنَّ بناء الأُسرة في الإسلام يقوم على الذوق الرفيع في التعامـل، وعلى وعي تام بمهارات التواصل التي تحفظ للنفوس كرامتها وللقلوب مودتها.

إننا لا نريد بيوتًا قائمة على العفوية التي قد تطيح بها أول عاصفة، بل نريد بيوتاً مصنوعة بحكمة، ومسوّرة بوعي، ومُضاءة بمهارات تواصل راقية تجبُر الخواطر وتبني العمران الإنساني.

تعليقات

ارسال التعليق

Top